متجر المستقبل: حين يلتقي الطموح بالهوية – انطلاقة جيل يُصنع لا يُنتظر

متجر المستقبل في جامعة الإمارات: حين يتحوّل الشغف إلى علامة، والفكرة إلى هوية

في ركن هادئ من قاعة دراسية بجامعة الإمارات، كانت إحدى الطالبات تقلّب دفتر ملاحظاتها، ترسم خربشات متفرقة بلا هدف واضح، ثم تتوقف لحظة وتتساءل بصوتها الداخلي: لماذا لا توجد منتجات تمثلنا نحن، طلاب جامعة الإمارات؟ لماذا نلجأ دائمًا إلى ما لا يشبهنا؟ تلك اللحظة العابرة، التي قد تمر في عقل الكثيرين دون أن تترك أثراً، لم تكن كذلك بالنسبة لفريق من الطالبات الطموحات. فقد تحوّلت إلى شرارة مشروع، ومن ثم إلى حلم مشترك، ثم إلى واقعٍ اسمه “متجر المستقبل”.
من تلك الفكرة الصغيرة، التي بدأت بين دفاتر الجامعة، انطلقت رحلة طويلة لم تكن سهلة ولا تقليدية. لم يكن الهدف مجرد تصميم منتجات أو بناء مشروع للتقييم النهائي في نهاية الفصل الدراسي. بل كان الهدف أكبر من ذلك بكثير: أن نخلق علامة تعبّر عن هوية الطالب الجامعي، أن نُترجم الحياة اليومية إلى منتج يحمل روح الجامعة، أن نُعيد تعريف العلاقة بين الطالب وهويته البصرية.
بدأ العمل من الصفر، أو لنقل من تحت الصفر. لم تكن هناك خارطة طريق جاهزة، ولا نموذج يُحتذى به. فقط خيال، وأقلام، وأحاديث بين الزميلات، وأوراق تتناثر بين التصميم والتعديل والتجريب. كل تفصيلة تمّت بعناية: اختيار الألوان، تحديد نوع الخط، تصميم الشعار، كتابة العبارات، ثم تحديد طبيعة المنتجات. كنا نناقش: هل نبدأ بالدفاتر؟ أم الأكواب؟ هل نستخدم القماش أم الورق؟ كيف نُراعي البساطة دون أن نفقد عنصر التميز؟ كل قرار في هذا المشروع كان بمثابة تمرين على القيادة، على الذوق، وعلى الإبداع المشترك.
“متجر المستقبل” لم يكن مشروعًا منفصلًا عن محيطه، بل كان نابضًا بروح جامعة الإمارات. حرص الفريق على أن يتفاعل مع جميع مكوّنات الحرم الجامعي، ولذلك تم تنظيم زيارات للعميد، ولمدراء الإدارات ورؤساء الأقسام، وتم عرض المنتجات عليهم مباشرة، وشرح الفكرة من بدايتها حتى لحظة التنفيذ. كانت تلك اللقاءات محورية؛ لأنها منحت المشروع مصداقية ودعمًا حقيقيًا، فشعرنا لأول مرة أن ما ننجزه له صدى يتجاوز القاعة الدراسية، وأنه يُلامس اهتمام الإدارة والطلبة على حدّ سواء.
أحد أهم عناصر المشروع كان إنتاج فيديو توثيقي قصير يُجسّد الرحلة التي خضناها. لم نعتمد على السرد التقليدي، بل أردنا أن نحكي القصة بطريقة بصرية تلامس المشاعر. بدأ الفيديو بصوت داخلي لطالبة تتساءل عن غياب الهوية، ثم نراها وهي ترسم وتفكر وتمزّق الأوراق. تنتقل المشاهد تدريجيًا إلى لحظات التصميم، ثم إلى عرض المنتجات، ثم إلى لحظة رمزية للغاية، حيث تنقسم الشاشة إلى نصفين: جانب يُظهر التصميم الأولي بخطوطه البدائية، والجانب الآخر يعرض المنتج النهائي بصورته الناضجة. ومع كل ثانية تمر، يذوب الجانب الأيمن تدريجيًا داخل الأيسر، ليُجسّد التطور، ويؤكد على فكرة محورية: “نحن لا ننتظر المستقبل… نحن نصنعه.”
المنتجات التي قدّمها “متجر المستقبل” تنوّعت بين الأكواب المزينة بشعار الجامعة، والدفاتر الأنيقة، والحقائب المصممة بذوق عصري، بالإضافة إلى ملصقات وقطع فنية صغيرة. كل منتج كان يحمل بين طياته رسالة: هذه ليست مجرد قطعة تُباع، بل هي ذكرى، هوية، وانعكاس لواقع نعيشه ونفخر به. كل منتج هو جزء من قصة أوسع، قصة طلاب يحاولون أن يتركوا أثرًا حقيقيًا في جامعتهم قبل أن يغادروها.
وفي أروقة الكلية، بدأ الطلاب يلاحظون التغيير. زاد الإقبال على المنتجات، ليس فقط لكونها جميلة أو مصممة بشكل احترافي، بل لأنها ببساطة “تشبهنا”. فهي لا تأتي من شركة تجارية، بل من قلوب طلابية تؤمن بأهمية الانتماء البصري، وتُريد أن تحتفل بالهوية الجامعية بأسلوب حديث.
“متجر المستقبل” لا ينتهي هنا. فالفريق الذي بدأ بفكرة، وصل اليوم إلى مشروع متكامل يمكن أن يتطوّر ويستمر، بل وربما يُصبح منصة حقيقية في المستقبل القريب، تُمثل طلاب جامعة الإمارات على مستوى أوسع. هو أكثر من مشروع تخرّج، وأكثر من صفحة على إنستغرام أو فيديو على الويب. هو نموذج لما يمكن أن يحدث عندما يتلاقى الشغف، مع التصميم، مع الانتماء.
لقد تعلّمنا شيئًا جوهريًا خلال هذه التجربة: أن الإبداع لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى فكرة حقيقية. وأن الهوية ليست مجرد شعار يُطبع على منتج، بل هي إحساس داخلي يُترجم إلى صورة، وكلمة، وتصميم، وتجربة.
“متجر المستقبل” هو بداية فقط… والرحلة مستمرة.